عبد الملك الجويني
29
نهاية المطلب في دراية المذهب
توجيه القولين : من قال : إنه يَضمن الصداق ضمانَ الأعواض ، احتج بأنَّ الصداق عِوضٌ ، كما تقرر في صدر الكتاب ، ولم يُثبت مقتضى الضمان سوى العقدِ ؛ فيجب إثباتُ ضمان العقود . ومن قال : إنه مضمون باليد ، احتج بأن قال : الصداق إذا تلف في يد الزوج قبل تسليمه ، فالنكاح لا ينفسخ بتلف الصداق ، والبضع هو المعوَّض - إن كان الصداق عوضاً - ويبعد جريان الانفساخ في المعاوضات في أحد العوضين [ دون الآخر ] ( 1 ) . وحقيقة القولين ترجع إلى أنَّا إن قضينا بكون الصداق مضموناً ضمان العقود ، فعقد الصداق على هذا ينفسخ ، كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل القبض . ثم مِن حُكم انفساخِ البيعِ بهذه الجهة : أنَّ الثمن إن أمكن استرداده يُسترد ، وإن كان فائتاً يُسترد بدلُه مثلاً إن كان من ذوات الأمثال ، أو قيمتُه إن كان من ذوات القيمة . كذلك إذا حكمنا بانفساخ عقد الصداق ، فارتداد البضع غيرُ ممكن ؛ للإجماع على بقاء النكاح ، وإذا امتنع ارتداد البضع ، ثبت بدلُه ، وبدلُ البضع قيمته ، وهي مهر المثل . فهذا تحقيق هذا القول . ومن قال : الصداق لا يُضمن ضمانَ العقود ؛ فما يعضد جانبَه أنَّ الصداق والبضع لا يتقابلان تقابل الأعواض ؛ ولذلك لم يكن الصداق ركناً في النكاح ، ثم عقدُ الصداق لا ينفسخ عند هذا القائل كما ينفسخ النكاح ، بل يقال : تسليم الصداق مستحَق على الزوج ، فإذا فات تسليم العين ، خَلَفتها القيمة ، ويجب تسليمها . ومما يتعلق به هذا القائل : أنَّ البضع مملوك للزوج [ فيبعد ] ( 2 ) أن يتقوّم عليه البضع الذي هو حقه وملكه ؛ فكان الرجوع إلى قيمة العوض أولى من الرجوع إلى قيمة الملك . وإنما تردد القول فيما ذكرناه ؛ من جهة أنَّ الصداق لا يخرُج عن الأعواض ، وليس هو على حقائقها ، ومست الحاجة عند فرض تلف الصداق إلى إثبات شيء على
--> ( 1 ) زيادة من المحقق . ( 2 ) في الأصل : يبعد ( بدون الفاء ) .